على خلفية “فيديو الرياض”.. البرلمان العراقي يستدعي سفيرته لدى السعودية ويشكل لجنة تحقيقية .


في تطور لافت يعكس حساسية المشهد الدبلوماسي العراقي، قرر مجلس النواب العراقي، اليوم الأحد، اتخاذ سلسلة من الإجراءات الرسمية بحق سفير العراق لدى المملكة العربية السعودية، وذلك على خلفية واقعة أثارت جدلاً واسعاً ووصفت بأنها “إساءة لسمعة العراق وخروج عن السياقات والأعراف الدبلوماسية المعمول بها”.
وأفادت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، في بيان رسمي، أن رئيس المجلس، هيبت الحلبوسي، وجّه الدائرة البرلمانية إلى مخاطبة وزارة الخارجية العراقية بصورة رسمية، بغرض استدعاء السفير العراقي في الرياض للمثول أمام مجلس النواب خلال مدة أقصاها 48 ساعة، لتقديم إيضاحات تفصيلية بشأن الملابسات التي رافقت الواقعة المثيرة للجدل.
كما تضمّن التوجيه البرلماني قراراً بتشكيل لجنة تخصصية عاجلة تتولى التحقيق في تفاصيل الحادثة، على أن ترفع تقريراً شاملاً إلى رئاسة المجلس يتضمن النتائج والتوصيات اللازمة في أقرب وقت ممكن، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات المناسبة وفقاً للقانون والأعراف الدستورية.
خلفية الواقعة: مقطع فيديو يشعل منصات التواصل
جاء هذا التحرك البرلماني بعد انتشار مقطع فيديو عبر منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية، أثار موجة غضب وانتقادات حادة بين أوساط الرأي العام العراقي. ويظهر في المقطع السفير العراقي وأعضاء من الوفد الرسمي خلال مراسم استقبال في مقر السفارة العراقية في العاصمة السعودية الرياض، في وضعية اعتبرها كثيرون “غير لائقة بروتوكولياً”.
ووفقاً لما أظهره الفيديو المتداول، بدا أعضاء الوفد العراقي واقفين أثناء لحظة التعارف الرسمية، في حين كان أحد المسؤولين السعوديين يجلس خلال تلك المراسم. وقد فسّر عدد من المتابعين هذا المشهد على أنه إخلال بمبدأ الندية في العلاقات الدبلوماسية، واعتبروه تصرفاً لا ينسجم مع هيبة الدولة ومكانتها الرسمية.
الانتقادات لم تقتصر على الناشطين والمستخدمين العاديين لمنصات التواصل، بل امتدت إلى شخصيات سياسية وبرلمانية طالبت بضرورة فتح تحقيق رسمي لمعرفة ملابسات ما جرى، والتأكد مما إذا كان الأمر ناتجاً عن خطأ بروتوكولي فردي أم سوء تنظيم رسمي.
تحرك برلماني سريع
الاستجابة السريعة من مجلس النواب تعكس حساسية المؤسسة التشريعية تجاه أي تصرف قد يُفسَّر على أنه مساس بسمعة الدولة العراقية أو مكانتها في المحافل الإقليمية والدولية. إذ شدد البيان الصادر عن المجلس على ضرورة الالتزام الصارم بالأعراف الدبلوماسية، واحترام البروتوكولات المعتمدة في المناسبات الرسمية.
مصادر برلمانية أكدت أن الاستدعاء لا يعني بالضرورة إدانة مسبقة للسفير، بل يأتي في إطار ممارسة الدور الرقابي للمجلس، وضمان وضوح الصورة أمام الرأي العام، خاصة في القضايا التي تثير جدلاً مجتمعياً واسعاً.
وتنص الأعراف البرلمانية على أن للمجلس الحق في استدعاء أي مسؤول تنفيذي للاستجواب أو الاستيضاح، متى ما تعلق الأمر بمصلحة الدولة أو سمعتها الخارجية، وهو ما ينطبق على الحالة الراهنة بحسب مراقبين.
أهمية البروتوكول في العلاقات الدولية
يؤكد خبراء في العلاقات الدولية أن البروتوكول الدبلوماسي ليس مجرد شكليات، بل يمثل انعكاساً لهيبة الدولة ومكانتها، كما يعبر عن طبيعة العلاقات بين الدولتين. فطريقة الاستقبال، ومواقع الوقوف أو الجلوس، وتسلسل التعارف، كلها عناصر مدروسة بعناية ضمن ما يُعرف بـ”قواعد اللياقة الدبلوماسية”.
ويرى مختصون أن أي خلل في هذه الترتيبات قد يُفسر على أنه رسالة سياسية، حتى وإن لم يكن مقصوداً، مما يفسر حساسية الرأي العام تجاه المشهد الذي ظهر في الفيديو المتداول.
في المقابل، يشير بعض المراقبين إلى ضرورة التريث في إصدار الأحكام، إذ قد تكون هناك تفاصيل تنظيمية أو سياقات بروتوكولية خاصة لم تظهر كاملة في المقطع القصير، ما يجعل من التحقيق الرسمي خطوة ضرورية لكشف الصورة كاملة.
العلاقات العراقية – السعودية: سياق أوسع
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه العلاقات العراقية – السعودية تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الأمني. فقد شهدت المرحلة الماضية زيارات متبادلة رفيعة المستوى، وتوقيع اتفاقيات تعاون في مجالات متعددة، إضافة إلى تنسيق مستمر في ملفات إقليمية ذات اهتمام مشترك.
لذلك، يرى محللون أن الحفاظ على متانة هذه العلاقات يتطلب دقة عالية في إدارة الملفات الدبلوماسية، وتفادي أي مواقف قد تُفسَّر بشكل سلبي، سواء داخلياً أو خارجياً.
وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى خطوة مجلس النواب باعتبارها محاولة لاحتواء الجدل داخلياً، وضمان عدم تحول القضية إلى مادة توتر سياسي أو إعلامي قد ينعكس على العلاقات الثنائية.
بين المساءلة والحفاظ على سمعة الدولة
التحقيق المرتقب سيحدد ما إذا كانت الواقعة تشكل فعلاً خرقاً صريحاً للأعراف الدبلوماسية، أم أنها أُخرجت من سياقها الطبيعي. وفي حال ثبوت وجود خطأ بروتوكولي أو إداري، فقد يوصي المجلس باتخاذ إجراءات إدارية أو تنظيمية لتلافي تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً.
في المقابل، إذا تبين أن المشهد لا يعكس مخالفة جوهرية، فقد يسهم التقرير النهائي في تهدئة الرأي العام ووضع حد للجدل الدائر.
وتبقى المسألة في جوهرها متصلة بمبدأين أساسيين: أولهما ضرورة المساءلة والشفافية في كل ما يتعلق بأداء ممثلي الدولة في الخارج، وثانيهما حماية صورة العراق ومكانته الإقليمية.
ترقب للنتائج
من المتوقع أن يمثل السفير العراقي في الرياض أمام مجلس النواب خلال الساعات المقبلة، وفق المهلة المحددة في التوجيه البرلماني. كما ستباشر اللجنة التخصصية أعمالها فوراً، على أن ترفع تقريرها النهائي متضمناً خلاصة التحقيق والتوصيات المقترحة.
الرأي العام العراقي يترقب ما ستسفر عنه هذه الإجراءات، وسط دعوات لضمان احترام الأعراف الدبلوماسية وتعزيز كفاءة العمل الخارجي، بما يليق بمكانة العراق وتاريخه.
وفي ظل سرعة تداول المعلومات عبر المنصات الرقمية، تبدو الحاجة ملحّة لتطوير آليات التعامل مع الأزمات الإعلامية المرتبطة بالعمل الدبلوماسي، لضمان سرعة توضيح الحقائق ومنع تضخم الجدل قبل اكتمال الصورة الرسمية.



